الشوكاني

460

فتح القدير

في ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء ، فكيف يستطيعون أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما لا يأذن الله به وغلب العقلاء على غيرهم لكونهم أشرف . وفي الآية نعي على عباد الشر والملائكة والجمادات ، لأنهم عبدوا المملوك وتركوا المالك ، وذلك مخالف لما يوجبه العقل ، ولهذا عقبه بقوله ( وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ) والمعنى : أنهم وإن سموا معبوداتهم شركاء لله فليست شركاء له على الحقيقة ، لأن ذلك محال - لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا - وما في وما يتبع نافية وشركاء مفعول يتبع ، وعلى هذا يكون مفعول يدعون محذوفا ، والأصل وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء في الحقيقة : إنما هي أسماء لا مسميات لها ، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه ، ويجوز أن يكون المذكور مفعول يدعون ، وحذف مفعول يتبع لدلالة المذكور عليه ، ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى أي شئ يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ، ويكون على هذا الوجه شركاء منصوبا بيدعون ، والكلام خارج مخرج التوبيخ لهم والإزراء عليهم . ويجوز أن تكون ما موصولة معطوفة على من في السماوات : أي لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ، والمعنى : أن الله مالك لمعبوداتهم لكونها من جملة من في السماوات ومن في الأرض . ثم زاد سبحانه في تأكيد الرد عليهم والدفع لأقوالهم فقال ( إن يتبعون إلا الظن ) أي ما يتبعون يقينا إنما يتبعون ظنا ، والظن لا يغني من الحق شيئا ( إن هم إلا يخرصون ) أي يقدرون أنهم شركاء تقديرا باطلا وكذبا بحتا ، وقد تقدمت هذه الآية في الأنعام . ثم ذكر سبحانه طرفا من آثار قدرته مع الامتنان على عباده ببعض نعمه فقال ( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ) أي جعل لعباده الزمان منقسما إلى قسمين : أحدهما مظلم وهو الليل لأجل يسكن العباد فيه عن الحركة والتعب ويريحون أنفسهم عن الكد والكسب ، والآخر مبصر لأجل يسعون فيه بما يعود على نفعهم وتوفير معايشهم ، ويحصلون ما يحتاجون إليه في وقت مضئ منير ، لا يخفى عليهم فيه كبير ولا حقير ، وجعله سبحانه للنهار مبصرا مجاز . والمعنى : أنه مبصر صاحبه كقولهم : نهاره صائم ، والإشارة بقوله ( إن في ذلك ) إلى الجعل المذكور ( لآيات ) عجيبة كثيرة ( لقوم يسمعون ) أي يسمعون ما يتلى عليهم من الآيات التنزيلية المنبهة على الآيات التكوينية مما ذكره الله سبحانه هاهنا منها ومن غيرها مما لم يذكره ، فعند السماع منهم لذلك يتفكرون ويعتبرون . فيكون ذلك من أعظم أسباب الإيمان . قوله ( قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني ) هذا نوع آخر من أباطيل المشركين التي كانوا يتكلمون بها ، وهو زعمهم بأن الله سبحانه اتخذ ولدا ، فرد ذلك عليهم بقوله ( سبحانه هو الغني ) فنزه جل وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين ، وبين أنه غني عن ذلك وأن الولد إنما يطلب للحاجة . والغني المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها ، وإذا انتفت الحاجة انتفى الولد ، وأيضا إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض ليقوم الولد مقامه ، والأزلي القديم لا يفتقر إلى ذلك . وقد تقدم تفسير الآية في البقرة . ثم بالغ في الرد عليهم بما هو كالبرهان ، فقال ( له ما في السماوات وما في الأرض ) ، وإذا كان الكل له وفي ملكه فلا يصح أن يكون شئ مما فيهما ولدا له للمنافاة بين الملك والبنوة والأبوة ، ثم زيف دعواهم الباطلة وبين أنها بلا دليل فقال ( إن عندكم من سلطان بهذا ) أي ما عندكم من حجة وبرهان بهذا القول الذي تم لونه ، و " من " في ( من سلطان ) زائدة للتأكيد ، والجار والمجرور في ( بهذا ) متعلق إما بسلطان لأنه بمعنى الحجة والبرهان ، أو متعلق بما عندكم لما فيه من معنى الاستقرار . ثم وبخهم على هذا القول العاطل على الدليل الباطل عند العقلاء فقال ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ) ، ويستفاد من هذا أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شئ ، بل من الجهل المحض ثم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم قولا يدل على أن ما قالوه كذب ، وأن من كذب على الله